قواعد الحوار الأسري الناجح

        بالرغم من كل ما أحرزه الإنسان من تقدم في نقل الأشياء والتحكم بها عن بعد، تبقى مهارة الإنسان محدودة في التعبير عن نفسه ونقل عواطفه والتحكم بمشاعره. تزداد حيرة الإنسان ويتعاظم عجزه كلما اقترب ذلك الآخر، فردًا كان أو جماعة، فعندها قد تتحول الأخوة إلى عداء والصداقة إلى خصومة والزواج إلى طلاق والانتماء إلى تكفير.
         وسيبقى الإنسان يعيش هذه المشكلة ما دامت الثقافة مقلة في زيارتها وترددها إلى منطقة القلب حيث تستوطن الأحاسيس والعواطف وتستقر المشاعر. فإذا كانت الثقافة تتكفل بتعديل المعوج من الفكر بفعل ما تختزنه من قيم ومبادئ ورؤى شمولية فإنها مدعوة لتمارس الدور نفسه في حركة الإنسان العاطفية وتواصله مع الآخرين. ولعل الرجل وهو يمد حبال يديه ليحتضن المرأة إلى عالمه حيث تختزل المسافات بل تتلاشى لتأخذ مكانها مساحات وقارات من الأحاسيس والتواصل العاطفي فان ثقافة الحوار هي التي ستنشر السلام في هذا العالم وهي التي ستتكفل بجعل مساحاته وصحارى قاراته حدائق غناء.
          الزواج هو العلاقة الأقدم في حياة الإنسان، وخبرة الإنسان تختزن الكثير فيما يختص هذه العلاقة ولكن يبقى الزواج محطة ينتظرها الإنسان بخليط من الأفكار والعواطف، فهناك خوف وفرح، وترقب وقلق وانتظار لسعادة وتوجس من مسئولية يصاحبها نشوة إلى التغيير في الحياة مع حيرة وخوف من المستقبل. ولعل البعض يرى أن الزواج هو صراط هذه الدنيا فإما العبور إلى السعادة وإما السقوط حيث الفشل والتعاسة. ولعل هؤلاء أدركوا بفطرتهم أن الزواج هو ارتباط نفسي بالدرجة الأولى وان السعادة والشقاء هما تعبير نسبي لما يعتلج النفس من حالات. والآية الكريمة من سورة الروم تقول: Description: http://www.alarabimag.net/arabi/Data/2007/11/1/D01.GIFومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرونDescription: http://www.alarabimag.net/arabi/Data/2007/11/1/D02.GIF . هذا الزخم النفسي الذي تعطيه الآية الكريمة لموضوع الزواج "من أنفسكم"، "لتسكنوا"، "مودة ورحمة"، هو تأكيد على ما يتمتع به الزواج من بعد نفسي وتواصل عاطفي. ولا يعني هذا أن الزواج هو بناء عاطفي فقط، ولكنه أحد الجوانب المهمة في البيئة الإنسانية والتي تقوم بها ثلاثة عناصر، الفكر وقاعدته الذكاء الفكري من منطقية وموضوعية وحساب للعواقب. والعنصر الثاني هو الشعور وقاعدته الذكاء العاطفي وهو العنصر الأهم في الزواج. أما العنصر الثالث فهو العمل وقاعدته الخبرة العملية بأبعادها النفسية والزمانية والمكانية. وإذا كان النجاح في الزواج يقتضى أن نجيد الاتصال العاطفي بالطرف الآخر بما يعني الاتصال من قدرة على إيجاد حضور إيجابي لنا عند ذلك الآخر، فإن الأداة الفعالة للاتصال هي التأسيس لبيئة الحوار الجيد. والتأسيس المقصود هنا هو الذهاب بعيدًا في داخل النفس لإعادة تشكيل بعض القناعات فيما يخص الحوار وما يرتبط بعلاقة الرجل بالمرأة ومن ثم بناء جملة من المبادرات والتي تتكفل بتشكيل الواقع الخارجي. فمجموعة من هذه القواعد هي حقائق عن الحوار كموضوع، أما المجموعة الأخرى فهي متطلبات يجب الأخذ بها من أجل الوصول للحوار الناجح.
ثقافة الحوار
          إذا كان الخلاف بين الناس في أمور كثيرة مرده اختلاف قناعاتهم فان عدم تفعيل الحوار في حياتنا هو تعبير عن ثقافة لا تمتلك من القناعات ما يشكل لنا رؤية إيجابية عن الحوار، فلنحاور الحوار بشكل موجز:
 1- الحوار وعاطفية المرأة:  من دون أن نشغل أنفسنا في البحث عن خصوصية كل من المرأة والرجل، فان العاطفة لغة تجيدها المرأة أكثر من الرجل وبالتالي يكون الحوار مطلبًا مبررًا للمرأة، وعلى الرجل أن يلتفت لهذا في بناء علاقته بالمرأة. وإذا كانت العاطفة تعني مقدار تفاعل الإنسان مع الحدث الذي يعيشه فهذا يعني أن المرأة أكثر انفعالًا وبالتالي يكون الحوار هو الأداة لتلطيف هذا الانفعال وتفريغ شحنته، وعندها تعود نفسية المرأة إلى الحالة الطبيعية من التوازنو. لعل عدم التفات الرجل إلى هذه الحقيقة هو الذي يدفع بالرجل إلى توجيه الاتهام للمرأة بأنها رومانسية ومولعة بالثرثرة أو أنها كائن حسي أكثر مما هو عقلي.
 2- الحوار ومعرفة الآخر : الإنسان بطبيعته وفي الأخص عندما يريد أن يعبر عن حاجاته يستعير بلغة الرمز والإشارة وخلط الأمور وينتظر من الطرف الآخر أن يفهم كل ذلك فيتحسس ذلك الآخر بمشاعره وأحاسيسه. وعلاقة المرأة بالرجل تتشكل في الكثير من جوانبها في إطار هذا المفهوم، وبالتالي يصبح الحوار ضروريًا لأن لغة الإشارة والرمز والتشكي من أمور أخرى عندما لا تفهم فإنها باب للدخول في مشاكل أخرى قد يتجاوز حجمها وعواقبها المشكلة الأصلية. فالمطلوب من الرجل أن يحسن الاستماع للمرأة ليعطي لنفسه الفرصة لمعرفة ما بعد الشكوى وعندها قد نكتشف أن الحل هو في كلمة تأخذ شكل وردة نُهديها لها أو لمسة تعيد لها الدفء وتشعرها بالأمان وبعدها قد نتذكر أو لا نتذكر المشكلة الأصلية لأنها في الأصل هي غير موجودة وما كان هو مجرد تراكم لرسائل غير مقروءة.
 3- الحوار لا يستثني أحدًا: إذا كان الأساس في الحوار هو وجود الآخر، فالمقصود بعد الاستثناء هنا هو أن المرأة تبقى بحاجة إلى الحوار مهما كان شكل المرحلة التي تعيشها وطبيعة الظروف التي تحيط بها. والذي يختلف بطبيعة الحال هو أسلوب الحوار باعتبار أن الأسلوب وأدوات الحوار الناجح هما نتاج للحظة التي يعيشها الإنسان. فالمرأة مهما كانت خلفيتها التعليمية والثقافية والأسرية والاجتماعية قادرة على تطوير مهاراتها في الحوار بشرط أن نجيد نحن معاشر الرجال لغة الحوار، وأن تعطى المرأة الفرصة لتجاوز مخاوفها وشكوكها في علاقتها بالرجل.
 4- للحوار أشكال متعددة:  المحاور الجيد هو الذي يجيد توظيف عدة أشكال من الحوار، فالكلمة الرقيقة تزداد رقة عندما تصحبها نظرة حانية ولمسة دافئة. وحتى الحوار الذي يتطلب توجيه نوع من اللوم أو النقد للمرأة فانه يكون أكثر ايجابية عندما يفرش في طريقه كلمات حب ولمسات حانية. كلما أجاد الرجل أشكالاً متعددة من الحوار  كانت علاقته بالمرأة أكثر قربًا وبالتالي أكثر حبًا.
 5- الحوار في الاختلاف والاتفاق : قد يظن البعض أن وظيفة الحوار هي فقط لتجاوز الخلاف وننسى جانبًا مهمًا وهو وظيفته في تعميق الاتصال بين الطرفين. ومن أجل أن نجيد الحوار في حالة الخلاف علينا أن نمارس الحوار حتى في الحالات غير الخلافية. قد لا يوجد هناك خلاف بين الرجل وزوجته في شراء حاجة معينة للمنزل ولكن طرح الموضوع للنقاش هو ممارسة للحوار بين الطرفين، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة تتاح الفرصة للطرفين لتعميق تجربتهما في الحوار.
متطلبات الحوار
 1- تجنب الحوار في حالة الانفعال:  يقال إن الإنسان المنفعل قد يفقد جزءًا من إدراكه للواقع وبالتالي قد لا يرى ولا يسمع ولا يحس. فهو قد لا يدرك ما يقوله ولا يسمع ما يقال له. بل قد تصل الحالة إلى انه يسمع ما لا يقال له، وبالتالي تكون هناك ردود فعل لأشياء لم تقال بتاتًا، بالرغم  من أن الإنسان المنفعل قد يقسم بأنه قد سمع هذه الأشياء، وبالتالي ربما تتأزم الأمور أكثر بين الطرفين. علينا أن نتجنب الحوار عندما نشعر أن الطرف الآخر بات أكثر انفعالاً مما هو مطلوب.
  2- الأخذ بالانفعال الإيجابي أثناء الحوار:  المقصود بالانفعال الإيجابي هو إبداء درجة منضبطة من الانفعال تشعر الطرف الآخر بتفاعله بما يحس وما يشعر به. فعندما تشعر المرأة بأنها أهينت بفعل ما أو نتيجة لكلمة قيلت فالمطلوب من الرجل إبداء نوع الانفعال الكلامي والحركي الذي يؤكد عدم قبوله لأي شيء فيه إهانة لها، وبالتالي ستشعر المرأة باطمئنان أكثر وعندها يكون الحوار إيجابيًا وموضوعيًا.
 3 - الاستعانة بكل أشكال الحوار : مادام الحوار هو تعبيرًا عن النفس ومد قنوات الاتصال بالطرف الآخر فالإنسان في الحقيقة يمتلك تنوعًا طبيعيًا في قدرته التعبيرية. وهنا يأتي دور الثقافة في تفعيل هذا التنوع والتعددية في حياة الإنسان، ولا يمكن للحوار أن يتسع في حياة الرجل والمرأة إلا بالأخذ بحوار غني في أدواته وأشكاله.
 4- الحذر من جعل الطرف الآخر في موقف دفاعي: عندما يجد الإنسان نفسه في موقف دفاعي فانه ينشغل ذهنيًا في الدفاع عن مواقفه، وبالتالي قد لايسمع ما يطرحه الطرف الآخر من كلام ما قد يلاقي قبولا عنده. وهناك كلمات وعبارات وإشارات قد تثير حالة الدفاع عند الزوجة، فتكرار كلمة أنت في عبارة سلبية، أو الإصرار على طلب اعترافها بالخطأ، أو الإلحاح عليها بالاعتذار عن كلمة قيلت في ظروف خاصة كلها مدعاة لجعلها تنبري للدفاع عن نفسها وعدم الاعتراف بخطئها، وهذا قد ينتهي بالحوار إلى طريق مسدود أو حتى إمكانية الدخول في مشاكل جديدة من خلال الاستعانة بمواقف في الماضي لتقوية موقف كل من الطرفين.
 5- الحرص على الوصول إلى نتيجة:  في الكثير من الأحيان ينتهي الحوار من دون تحقيق نتائج معينة وبالتالي يشعر المتحاوران بعدم جدواه وتكرار هذا الأمر قد يغير موقف الإنسان من الحوار نفسه. في الحوار فرصة يجب أن يوظفها الطرفان لتأسيس حالة جديدة في العلاقة بينهما من خلال تجاوز موضوع الخلاف بينهما وما يترتب على هذا التجاوز من تفاهمات أخرى.
حقائق تشكل رؤيتنا للحوار
          يبقى هناك عنصران مكملان لعملية الحوار وهما:
 1- الحوار وشخصية الإنسان:  من الضروري أن ندرك بأننا في الحوار نستعرض شخصياتنا وما تتسم به من صفات، وبالتالي سيحكم على شخصياتنا من خلال ما يراه الآخرون من مواقف وما يسمعوه من كلام. وهنا تأتي أهمية الحرص في انتقاء الجيد من القول والفعل تجنبا للحكم الخاطئ علينا.
 2- أن يكون لنا حساب جارٍ نسحب منه أثناء الحوار:  يجب على الرجل أن يؤسس له حسابًا مشرفًا من المواقف في علاقته بزوجته، فالرجل الذي دائما يتذكر عيد ميلاد زوجته أو أي مناسبة عزيزة عليها ويحرص على تبادل الهدايا فيها سيكون من الصعب على الزوجة اتهامه بعدم تقديرها أو تلمس مشاعرها. وهو بدوره يستطيع أن يوظف هذه المواقف لتأكيد الكثير من القضايا التي تعزز حالة الحوار بينهما.
          هذه القواعد بحقائقها ومتطلباتها نستطيع أن نخرج منها بثقافة فاعلة وممارسة جيدة للحوار، ويبقى للتجربة فعلها في تأصيل هذه المكونات في علاقتنا الزوجية وبما يخدم الأسرة ككيان اجتماعي

مواضيع ذات صلة


الابتساماتالابتسامات



الأرشيف

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *