السلطانة راضية : أول إمرأة مسلمة حكمت دلهى

السلطانة راضية,رازيا,دلهى,الهند
- لعل السلطانة الأشهر في تاريخ المسلمين كانت السلطانة (  شجرة الدر ) التي إعتلت عرش مصر بعد وفاة زوجها , بعد أن كانت جارية من جواري الملك , ولعل الأمور تشابهت  في مكان آخر في جنوب آسيا قبل 14 عاماً من حكم شجرة الدر لمصر , حيث كانت راضية أول سلطانة للمسلمين في جنوب قارة آسيا  , وهي التي إنحدرت من أسرة مملوكة للسلطان قطب الدين أيبك لفترة طويلة ..



من هي راضية ؟

جلالات الدين رازيا أو راضية (Razia Sultan) , كانت ابنه للسلطان " شمس الدين التتمش " , والذي كان الحاكم الثالث لسلطنة دلهى في الهند بعد " قطب الدين أيبك " , بعدما كان مملوكاً له , ثم أعتقه السلطان وزوجه من ابنته قبل وفاته .
ولدت راضية في عام 1205 , وهي التي تعود جذور أجدادها إلى العبيد السلجوقيين الأتراك .
وبالنظر إلى تاريخ أبيها شمس الدين , وإلى فترة حكمه التي توجها بالعدل ومراعاة شئون المسلمين , كان من الطبيعي أن تسير ابنته على خطاه , فقد تعلمت المهارات القتالية والعسكرية جنباً إلىجنب مع أشقائها , مثل معظم الأطفال الآخرين من الطبقة الأرستقراطية , كما كان لديها معرفة جيدة بكيفية إدارة أمور الدولة . ودربها والدها على تنظيم شئون البلاد , وتولي شئون الجيش .

أول إمرأة تعتلي عرش دلهى 

وصل شمس الدين التتمش إلى سلطة دلهى كعبد تركي , وكبر في قصر السلطان قطب الدين أيبك , ليصبح أكثر المفضلين إليه , وبعد أن زوجه السلطان من ابنته , أصبح شمس الدين فعلياً جزءاً من العائلة الحاكمة , وأنجب من ابنه السلطان ناصر الدين محمود وجلالات الدين رازيا , ثم توفى  السلطان قطب الدين ورازيا مازالت طفلة صغيرة , وأصبح والدها حينها سلطاناً على دلهى
وخلال السنوات الأخيرة من حياة السلطان شمس الدين  كان عليه أن يتخذ قراراً هاماً .. حول من سيخلفه في ولاية دلهى ؟
إختار السلطان في نهاية الأمر ابنه ناصر الدين لتولي زمام الحكم , والذي كان في نفس الوقت حاكماً للبنغال , ومع ذلك , مات ناصر الدين محمود في ظروف غامضة , وأصبح أبيه السلطان وقتها في حيرة , حيث كان كل من أبناءه الآخرين من زوجاته الأخريات أصغر من أن يتم تتويج أحدهم سلطاناً من بعده .
وكانت قد أظهرت ابنته راضيه بالفعل قدرتها على إدارة السلطنة , وذلك عندما غادر ابيها المملكة في إحدى الحملات العسكرية وتولت هي مسؤولية الولاية على أكمل وجه بمساعدة وزير السلطان .
كما أنها كانت إمرأة متعلمة , سواء في التعليم الرسمي أو في العلوم القرآنية , علاوة على ذلك , كانت متفوقة في فنون الدفاع عن النفس , وبالتالي فكانت محاربة ممتازة , وماهرة في ركوب الخيول والفيلة , مما أهلها لتكون سلطانة لدلهى .
نصب السلطان شمس الدين ابنته راضية سلطانة على دلهى من بعده , بدون أن يستشير علماء الشريعة الإسلامية , لإنه رأى فيها قوة وشجاعة ورزانة في إتخاذ القرارات .
إعتلت جلالات الدين رازيا عرش دلهى عام 1236 , ويُشار إليها تاريخيا باسم رازيا سلطانة أو راضية سلطانة .
وكانت أول إمرأة تحكم سلطنة دلهى , وعلى الرغم من أن قصتها في الثقافة الشعبية تُعتبر رومانسية , إلا أن قصتها في الواقع كانت شيئاً آخر غير عاطفي إطلاقاً .
- كإمرأة . . لم تحظ راضية بالدعم الكامل من نبلاء الدولة , ولكنها تمكنت فقط من تأمين سيطرتها على العرش من خلال تقسيم رأي معارضيها , ولكنها في نهاية المطاف فازت بدعم الأغلبية , وإستطاعت توسيع سلطتها على نطاق واسع في الدولة من خلال رضوخ الأمراء وقادة الدولة لسلطتها .
قامت راضية ببناء نظام للطرق , وإستطاعت بذلك الإطلاع على شئون الأجزاء البعيدة من إمبراطوريتها ومتابعة أمورها , كما ربطت المدن بالقرى , وقامت ببناء حصوناً صغيرة كمراكز للحراسة حول هذه الطرق .

قامت راضية بإنشاء المدارس ومعاهد البحث العلمي , والمكتبات العامة التي ضمت كل من المخطوطات الإسلامية والهندوسية ,من اعمال الفلاسفة القدامي , والعلوم القرآنية , والسنة المحمدية , والاعمال الهندوسية في العلوم الفلسفة والأدب والفلك .
, حيث نشرت راضية المساواة بين المجتمع المسلم والجالية الهندوسية في الدولة .
- من الواضح أن راضية كانت زعيمة مخلصة لإمبراطوريتها ورعاياها , حيث إستمعت إلى شكاوي ومطالب شعبها , وإهتمت بشئونهم , إتخذت قراراً واعياً بالتخلي عن الملابس التقليدية للمرأة المسلمة , بما في ذلك البرقع والحجاب , وإعتمدت على ملابس رجالية بدلاً من ذلك , مما أدى إلى غضب المسلمين المحافظين .
رفضت راضية أن تُلّقب باسم " السلطانة " تبعاً لنوع جنسها , وكان مبررها أن لقب سلطانة تعني " زوجة أو محظية للسلطان " , لذا إتخذت بفخر لقب " سلطان " لنفسها بدلاً من سلطانة .
وفي فترة حكمها , طلبت راضية أن تًصنع قطع نقدية تحمل أسماءها وألقابها مثل " عمود المرأة , ملكة العصور , السلطان راضية , ابنه شمس الدين التتمش "

السلطانة راضية والنبلاء الغاضبين 

- نبلاء الدولة لم يتركوا راضية تفوز بعرش دلهى كرماً منهم , ولكن كانوا يتوقعون أن تكون حاكمتهم دمية بين أيديهم لإنها إمرأة ضعيفة , ولكن خابت توقعاتهم , عندما أعلنت السلطانة راضية بكل وضوح أنها زعيمة مستقلة , فاستاء كثير من النبلاء , حتى أصبح وصول " جمال الدين ياقوت " - وهو عبد حبشي - إلى مكانة مميزة عند السلطانة , القشة التي قصمت ظهر البعير.
جمال الدين ياقوت , كان رجلاً ذو طبيعة هادئة وحنكة مميزة يمكن الإعتماد عليها , وهو ما أدى بالسلطانة راضية إلى تمييزه عن الجميع , فعينته في أول الأمر أميراً للخيول , ثم رفعته إلى منصب أمير الأمراء وهو موقعاً إستراتيجياً قريباً جداً من السيادة , مما زاد من حنق هؤلاء الأمراء الذين رأوا في تصرفها بطش لكل العادات والتقاليد الملكية وتحقيراً لمكانتهم , وما زاد من الأمر , هو أن السلطانة راضية قد عينته قائداً للجيش وهو من أصل غير تركي , وقد إحتكر الأتراك هذا المنصب منذ سنين عديدة , فكل هذا أدى في النهاية إلى إتخاذهم قرار بالتخلص منها , وكان " مالك إختيار الدين ميرزا ألتونيا " قطعة شطرنج رئيسية في خطتهم .
- كان مالك ميرزا ألتونيا رجلاً نبيلاً بارزاً في عهد والد السلطانة راضية , وقد دعم تولي راضية العرش , وقد كان أحد أقرب أصدقاء الطفولة لراضية , لذا فضّلته السلطانة راضية على الكثيرين , وأهدته حكم تاباريندا Tabarhinda , أو منطقة باثنيدا التي تتبع ولاية البنجاب في الهند .
وقبل مغادرته لتابارهندا , عرض ميرزا الزواج على السلطانة راضية , التي رفضت بدورها هذا العرض لرغبتها في التفرغ لأمور إمبراطوريتها .
إستغل بعض النبلاء المتآمرين على السلطانة غياب ميرزا ألتونيا عن البلاط الملكي , وراحوا يطلقون الشائعات عن علاقة غرامية بين السلطانة راضية وياقوت الدين , حيث دائما ما كانا يُشاهدان معاً , حيث تستعين السلطانة برأي " ياقوت الدين " في إسترتيجيات حكمها والأمور المتعلقة بالإمبراطورية , ولكن أعين الحاقدين قد حولت تلك المقابلات البريئة إلى علاقة حميمة , ونشروا تلك الأخبار الكاذبة في معظم أرجاء الولاية , حتى وصلت تلك الأنباء إلى " مالك ميرزا ألتونيا " , والذي تأججت في قلبه نيران الغيرة , وإنضم إلى المعارضين المتمردين ضد السلطانة , وعرض المعارضون عليه أن يساعدهم في إقاله السلطانة , وفي المقابل سيحصل على جزء من الإمبراطورية .
لم يستطع النبلاء معارضة السلطانة راضية في دلهي , حيث تلقت الدعم من معظم راعاياها , ولكن بدأت التمردات في المقاطعات البعيدة , وإحدى تلك الثورات جاءت من " تاباريندا " مقاطعة ألتونيا " , وهي مكان لم تتوقع السلطانة أن يحدث فيه تمرد , لذا طلبت من ياقوت الدين أن يعدّ مسيرة إلى ألتونيا , ولكن في ذلك الوقت كان جيش السلطانة منهكاً , بعد أن خاض معارك ضد بعض التمردات في المقاطعات الأخرى , وكان ياقوت الدين يخشى أن النصر لن يأتي بسهولة هذه المرة , وحدث ما توقعه بالفعل !
فخلال المعركة , أدرك " ألتونيا " أنه لابد من قتل " ياقوت الدين " من أجل هزيمة جيش السلطانة راضية , وبالفعل تم قتل قائد الجيش ياقوت الدين خلال المعركة , وفقد الجنود ثقتهم على أثر ذلك , وإستسلموا في نهاية المطاف إلى " ألتونيا " , وتم أسر السلطانة راضية .
في غضون ذلك , قام النبلاء في دلهى بتعيين سلطاناً جديداً للإمبراطورية , وهو الأخ الغير شقيق للسلطانة راضية " معز الدين بهرام شاه  " , وبالطبع كان إختياراً مناسباً لهم لكونه سكيراً غير مهتم بشؤون بلاده , فأصبح بمثابة الدمية التي أرادوها دوماً , وخلال فترة حكمه , تدهورت أحوال الرعيّة , حتى تم إضطهاد الناس , وقُتل كل من عارض نظام الحكم بلا رحمة .
بالنسبة لمالك ألتونيا , فقد نسى النبلاء بالطبع الوعد الذي قدموه له بأن يملك جزءاً من الإمبراطورية , فأدركت السلطانة راضية أثناء سجنها أنه ومن أجل إستعادة عرشها , عليها أن تقنع التونيا بأن يقاتل معها النبلاء وهم العدو المشترك , ووعدته بأن يشارك في السلطة وتقبل الزواج منه .
ويعتقد المؤرخون أن راضية قد عوملت معاملة ملكية أثناء أسرها من قبل ألتونيا , إذ أنه كان يحبها طوال الوقت كما يُقال , وكانت غيرته وتلك الشائعات الكاذبة هي التي أثارت تمرده وغضبه عليها . 
وبعد زواجهما قامت راضية وألتونيا بتجنيد جيش جديد لإستعادة دلهى , ولكنهما فشلاً في تلك المغامرة الأخيرة , وكُتب لجيشهما الهزيمة .

كيف ماتت السلطانة راضية ؟

- لا يُعرف الكثير عن سبب وفاة السلطانة راضية , إلا أن البعض يعتقد أنها حاربت كمقاتلة شجاعة في ساحة المعركة حتى ضربها أحد الأسهم , ويقول آخرون أنها وبعد أن هزمت في معركتها الأخيرة , هربت , وإستنجدت برجل فقير , قدم لها الخبز ومكاناً للنوم , وكان يعتقد أنها رجل نظراً لملابسها الرجالية , ولكنه وأثناء نومها , لاحظ أن ذلك الزائر المجهول ما هو إلا إمرأة , فقام بقتلها طمعاً في سترتها الذهبية واللؤلؤ الذي تغطيه ملابسها  , وقام الرجل بدفن جسدها , وسرق كل مقتنياتها الثمينة لبيعها في السوق , حتى شك فيه بعض رجال شرطة الولاية بسبب المقتنيات الملكية التي بحوزته , وإعترف بقتله لإمرأة إتضح له أنها السلطانة راضية , فأخرج الناس جثمانها , وقاموا بدفنه في مكان آخر طبقاً للشريعة الإسلامية .


- على الرغم من أن الثقافة الشعبية تُظهر حياة السلطانة راضية قصة حب درامية , تشمل مثلث حب , يتكون من حبها للعبد الحبشي " ياقوت الدين " , ليؤدي هذا الحب إلى غيرة شديدة من عاشق آخر من النبلاء " مالك ألتونيا " يدفعه غضبه للتآمر ضد السلطانة التي أحبها , ولكن تلك القصص ما هي إلا خيال من مؤلفي القصص الرومانسية , فيجب ألا ننسى أبداً القصة الحقيقية للسلطانة راضية , قصة حاكمة مستقلة مسلمة قاتلت من أجل إمبراطوريتها حتى النهاية المريرة , حيث انتهت قصة المرأة الأولى والأخيرة التي حكمت سلطنة دلهى في سن 35 عاماً فقط .

مواضيع ذات صلة


الابتساماتالابتسامات

الأرشيف

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *